ابن عربي
5
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
والمحرم ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، ورجب منفرد ، منها عمر بن عبد العزيز . قلت : تكلم أبو أيوب في هذا التفسير ببادئ رأيه ، ولم يتحقق مقصد المتكلم ، فلم يرد الراهب بقوله العدد ، فإنه ما تعرض إليه ، وكيف يتعرض للعدد وأئمة الهدى بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وحسن رضي اللّه عنهم أجمعين . وإنما أراد بالمثال أنه كان بين رجب والأشهر الحرم شهور ليست بحرم ، وليست لها تلك المرتبة ، كذلك بين أئمة العدل وبين عمر بن عبد العزيز خلفاء ليست لهم في العدل مرتبة ، هؤلاء المذكورين . حكى لنا بعض الأدباء ، عن أبي الجهم ، وكان بدويا جافيا ، لمّا قدم على المتوكل وأنشده يمدحه بقصيدته التي يقول فيها يخاطب الخليفة : أنت كالكلب في حفاظك للودّ * وكالتيس في قراع الخطوب أنت كالدلو لا عدمناك دلوا * من كبار الدلا كثير الذنوب فعرف المتوكل قوته ، ورقة مقصده ، وخشونة لفظه ، فعرف أنه ما رأى سوى ما شبّه به ، لعدم المخالط ، وملازمة البادية ، فأمر له بدار حسنة على شاطئ دجلة ، فيها بستان حسن يتخلله نسيم لطيف ، يغذي الأرواح ، والجسر قريب منه ، وأمر بالغذاء اللطيف أن يتعاهد به . وكان يركب في أكثر الأوقات ، فيخرج إلى محلات بغداد ، فيرى حركة الناس ، ولطافة الخضر ، ويرجع إلى بيته ، فأقام ستة أشهر على ذلك ، والأدباء والفضلاء يتعاهدون مجالسته ومحاضرته ، فاستدعاه الخليفة بعد هذه المدة لينشده ، فحضر وأنشد : عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري فقال المتوكل : لقد خشيت عليه أن يذوب رقة ولطافة . وخرجت القصيدة عن فكري ، فإن وجدتها فسألحقها إن شاء اللّه في بعض مجالس هذا الكتاب . وأنشدنا أبو حامد الخشني الليلي عن بعض أشياخه ، عن ابن مغيث ، قال : قال علي بن الجهم من باب الرجوع إلى اللّه تعالى : توكلنا على رب السماء * وسلّمنا لأسباب القضاء ووطنا على غبر الليالي * نفوسا سامحت بعد الآباء وأبواب الملوك محجبات * وباب اللّه مبذول الفناء هذه الأبيات قالها لمّا حبسه المتوكل .